فخر الدين الرازي

3

تفسير الرازي

" ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة " وعن علي أنه قال : سمعت نبيّكم على أعواد المنبر وهو يقول : " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات التي حوله " وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي : أين أنتم من آية الكرسي ، ثم قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا علي سيد البشر آدم ، وسيد العرب محمد ولا فخر ، وسيد الكلام القرآن ، وسيد القرآن البقرة ، وسيد البقرة آية الكرسي " وعن علي أنه قال : لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ماذا يصنع ، قال فجئت وهو ساجد يقول : يا حي يا قيوم ، لا يزيد على ذلك ، ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو يقول ذلك ، فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر إليه ، وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له . واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم فكلما كان المذكور والمعلوم أشرف كان الذكر والعلم أشرف ، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله سبحانه بل هو متعال عن أن يقال : إنه أشرف من غيره ، لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة ومشاكلة ، وهو مقدس عن مجانسة ما سواه ، فلهذا السبب كل كلام اشتمل على نعوت جلاله وصفات كبريائه ، كان ذلك الكلام في نهاية الجلال والشرف ، ولما كانت هذه الآية كذلك لا جرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى أقصى الغايات وأبلغ النهايات . المسألة الثانية : اعلم أن تفسير لفظة * ( الله ) * قد تقدم في أول الكتاب وتفسير قوله * ( لا إله إلا هو ) * قد تقدم في قوله * ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو ) * ( البقرة : 163 ) بقي هاهنا أن نتكلم في تفسير قوله : * ( الحي القيوم ) * وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول : أعظم أسماء الله * ( الحي القيوم ) * وما روينا أنه صلوات الله وسلامه عليه ما كان يزيد على ذكره في السجود يوم بدر يدل على عظمة هذا الاسم والبراهين العقلية دالة على صحته وتقريره ، ومن الله التوفيق : أنه لا شك في وجود الموجودات فهي إما أن تكون بأسراها ممكنة ، وإما أن تكون بأسراها واجبة وإما أن تكون بعضها ممكنة وبعضها واجبة لا جائز أن تكون بأسراها ممكنة ، لأن كل مجموع فهو مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزاء هذا المجموع ممكن والمفتقر إلى الممكن أولى بالإمكان ، فهذا المجموع ممكن بذاته وكل واحد من أجزائه ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح مغاير له ، فهذا المجموع مفتقر بحسب كونه مجموعاً وبحسب كل واحد من أجزائه إلى مرجح مغاير له وكل ما كان